اسماعيل بن محمد القونوي

419

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [ الأعراف : 66 ] الآية فهو محمول على أنه للذم هناك لا للتمييز ولو قيل اكتفى القيد هنا في قوم نوح لم يبعد لأن الفرق المذكور ليس بمعلوم إذ عتو قوم هود وذمه تعالى إياهم بقوله : وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً [ هود : 60 ] الآية لا يلائم كونهم أقرب من قوم نوح والقول بأن بعض أشراف قوم هود آمن به دون أشراف قوم نوح فعتوهم لا ينافي أقربية قوم هود ضعيف لأن أولاد نوح آمنوا به ولا ريب أنهم أشرفهم « 1 » ولو سلم ذلك فلا يفيد ذلك الأقربية وبالجملة يحتاج مثل ما ذكر إلى النقل وإثباته مشكل عرفوه بالأمرين وإنما قالوا ما قالوه عنادا واستكبارا كما هو ديدن السفهاء المقلوبين وفي الكشاف ثم قال وأنا لكم ناصح فيما أدعوكم إليه امين على ما أقول لكم لا كذب فيه والفرق أن ما ذكره الزمخشري فيه تعرض إلى أن المتعلق حذف لكنه مراد وأما ما اختاره المص فيه جعلها بمنزلة اللازم وهذا أبلغ وفي قوله في قصة نوح وانصح لكم وهنا وأنا لكم ناصح أمين وذكر متعلق النصح في الأول دون الثاني نكتة دقيقة تعرف بالسليقة السليمة . قوله : ( متمكنا في خفة عقل وراسخا فيها حيث فارقت دين قومك ) هذا مستفاد من كلمة في في قوله تعالى : فِي سَفاهَةٍ [ الأعراف : 66 ] . قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 69 ] أَ وَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 69 ) قوله : ( سبق تفسيره وفي إجابة الأنبياء الكفرة عن كلماتهم الحمقاء بما أجابوا والإعراض عن مقابلتهم كمال النصح والشفقة وهضم النفس وحسن المجادلة ) الحمقاء وصف الكلمة بصفة قائلها . قوله : ( وهكذا ينبغي لكل ناصح ) وفي حكاية اللّه تعالى تلك القصة تنبيه على ذلك . قوله : ( وفي قوله وأنا لكم ناصح امين تنبيه على أنهم عرفوا بالأمرين ) النصح والأمانة قوله : وأنا لكم ناصح أمين تنبيه على أنهم عرفوه بالأمرين وهما النصح والأمن منشأ هذا التنبيه صيغة اسم الفاعل وهي قوله : ناصِحٌ أَمِينٌ [ الأعراف : 68 ] فإنها دالة على معنى الثبات على ما قال عبد القاهر في دلائل الإعجاز إن صيغة الفعل يدل على التجدد ساعة فساعة وأما صيغة اسم الفاعل فهي دالة على الثبات والاستمرار على ذلك الفعل وإذا ثبت هذا فنقول إن القوم كانوا يبالغون في السفاهة على نوح عليه السّلام ثم إنه في اليوم الثاني كان يعود إليهم ويدعوهم إلى اللّه وقد ذكر اللّه تعالى عنه ذلك فقال : رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهاراً [ نوح : 5 ] فلما كان من عادة نوح العود إلى تجديد تلك الدعوة في كل يوم وفي كل ساعة ولا جرم ذكره بصيغة الفعل فقال وانصح لكم وأما هود عليه السّلام فقوله : وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ [ الأعراف : 68 ] يدل كونه مثبتا في تلك النصيحة

--> ( 1 ) وقيل إن نوحا عليه السّلام كان مراضيا على دعوتهم غير مؤخر لجواب نسبتهم لحظة واحدة بخلاف هود عليه السّلام ولذا جاء التعقيب في كلام نوح عليه السّلام وما ذكره يحتاج إلى البيان .